ما المطلوب من القمة العربية الحالية؟

أهمية خاصة تكتسبها القمة العربية ٣٣ التي تنعقد اليوم في العاصمة البحرينية المنامة، وأهميتها تعود إلى شيئين، أولهما أنها القمة العربية الأولى التي تستضيفها البحرين، وثانيهما أنها تنعقد وسط تطلعات عالية من الذين يتابعون أنباء انعقادها في الوطن العربي.
البلاد العربية تتطلع نحو العاصمة المنامة، وكلها أمل في أن تجد تطلعاتها تجاوبًا لدى القادة الذين يلتقون على مائدة واحدة.. وكانت البحرين قد ترأست القمة في ٢٠٠٣، ولكنها المرة الأولى التي تستضيف فيها القمة على أرضها، والأكيد أن هذا حافز مُضاف لأن تعمل القيادة السياسية البحرينية على أن تكون الحصيلة المرتقبة من القمة على قدر ما يحيط بها من تطلعات أبناء الوطن العربي.
وعندما قررت مصر دعم الدعوى المرفوعة من جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، كان ذلك دليلًا على أن لدى العرب ما يقدمونه لغزة خصوصًا، وللقضية في فلسطين عمومًا، وأنه ليس من الضروري أن يكون الذهاب للحرب هو الحل أو هو البديل.
في يد العرب إذا اجتمعوا الكثير من الأوراق السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وكلها ستكون مؤثرة ونافذة في التأثير إذا ما جرى اعتمادها في التعامل مع الدولة العبرية، التي لا تقيم وزنًا للقانون الدولي ولا تضع له أي إعتبار!!.
يكفي على سبيل المثال أن يكون هذا الدعم المصري للدعوى الجنوب إفريقية موقفًا عربيًا شاملًا لا موقفًا مصريًا فقط.. ويكفي أن تُلوّح الدول العربية الأربع المنخرطة في اتفاقيات السلام الإبراهيمي مع إسرائيل بالورقة الاقتصادية.. يكفي أن تُلوّح بما يجعل الطرف الآخر يفهم أنها جادة وفقط.. ويكفي في مرحلة لاحقة أن تبادر الدول الأربع إلى استخدام هذه الورقة وتوظيفها بما يخدم القضية في فلسطين، وبما يعزز الموقف العربي في العموم.. يكفي ويكفي مما أستطيع أن أعدده وأحصيه.
ولكن إذا اعتمدت القمة هاتين الورقتين: ورقة دعم الدعوى الجنوب إفريقية، وورقة الاقتصاد في إتفاقيات السلام الإبراهيمي، فسوف تكون قد تجاوبت مع تطلعات البلاد العربية من حولها.
ولكن قد يكون الأهم من هاتين الورقتين، هو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبار فلسطين دولة مؤهلة وفقًا للمادة ٤ من ميثاق الأمم المتحدة، لتكون دولة عضو في الأمم المتحدة ومنحها حقوق واعتبارات إضافية، على أساس استثنائي، لتعزيز مشاركتها في دورات وأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ومطالبة مجلس الأمن بإعادة النظر في رفضه لعضوية فلسطين «الفيتو الأمريكي تحديدًا» والدعم الواسع للطلب الفلسطيني المدعوم عربيًا ثم التأييد الواسع الذي حظى به هذا القرار شكل انتصارًا معنويًا يجب البناء عليه وتعزيزه من قبل البلاد العربية.
وعلى صعيد آخر بذلت اللجنة السداسية العربية وتبذل جهودًا كبيرة في هذا المجال لإعادة إحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين.. أمام هذه المعطيات كافة، يصبح أكثر من الضروري على القمة أن تبلور إستراتيجية تحرك عربي على مستوى القادة؛ تحرك يضم دول السداسية وغيرها أو كل من يرغب بالمشاركة؛ تحرك على مستوى القمة، لما يشكله من رسالة، نحو عواصم الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن والقوى الدولية الأخرى إلى جانب تجمعات إقليمية أساسية مثل الاتحاد الأوروبي.
على القمة أن تبلور هذه المعطيات الجديدة والمطالب المطروحة عربيًا «مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وانضمامها للأمم المتحدة» والتحرك لعقد مؤتمر دولي للسلام عنوانه حل الدولتين والسلام الشامل، وبلورة خريطة طريق لذلك الأمر، بالاشتراك مع الأطراف والقوى الدولية المعنية والفاعلة.
لن يكون الرفض الإسرائيلي لهذا التحرك /المبادرة مفاجئًا، لكن بقدر ما تكون هنالك مصداقية دولية لهذا التحرك بازدياد عدد الأطراف الدولية المنضمة إليه، تحت عنوان تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة ومبادرة السلام العربية المرتكزة على هذه القرارات ومؤتمر دولي لبلورة خريطة طريق للسلام الشامل القائم على حل الدولتين بقدر ما سيضعف الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام.
أركان المبادرة الدبلوماسية العربية العملية التي يفترض أن تنبثق عن القمة هو العمل على وقف إطلاق النار الدائم، إجراءات بناء الثقة أو ما يعرف بتبريد الجبهات، إطلاق المؤتمر الدولي للسلام على الأسس والمرجعيات المشار إليها والمعروفة وبلورة خريطة طريق وجدول زمني واضح ولو مرن نحو السلام.. السلام الذي يؤكد المؤتمر الدولي على أركانه، وهو حل الدولتين وإنهاء الاحتلال للأراضي العربية المحتلة.
طريق ليس بالسهل ولوجه والوصول إلى نهايته المطلوبة، بسبب التعنت الإسرائيلي ولكنه الطريق الوحيد، الذي دونه العديد من العقبات للوصول إلى السلام العادل والشامل والدائم، إذ لن تستطيع إسرائيل أن تواجه بشكل مستمر موقف دولي شامل وواضح وصارم يوفر الطريق الوحيد لولوج السلام وليس الرهان على الأوهام، أوهام القوة.. فبناء الجسور إلى منتصف النهر وسياسات التهدئة والمراهم وأنصاف الحلول أو الحلول المجتزأة تؤدي إلى تأجيل الانفجار والحروب المختلفة الدرجات والحدة.
خلاصة الأمر أن طريق السلام الذي أشرنا إلى خريطته، وإلى المسئولية العربية في إطلاقه عمليًا، أمامه الكثير من العوائق والمصاعب ولكنه بمبادرة عربية دولية يمكن أن يصل إلى تحقيق الأهداف المنشودة وهي أهداف واقعية لحل الصراع، وشرعية إذا تستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة وإلى الدعم الفعلي، وبالتالي الفعال للقوى الدولية المعنية بالاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.. مبادرة ننتظر أن تبصر النور وتنطلق بحزم وعزم من القمة العربية في البحرين.. فهل ستحقق هذه القمة العربية ما هو مطلوب منها؟ أم ستكون مثل سابقيها من القمم!!؟.