ماذا يريد الشعب من الرئيس بعد حلف اليمن؟

ماذا يريد الشعب من الرئيس عبد الفتاح السيسي في الفترة الرئاسية الجديدة التي بدأت أمس بأدائه اليمين الدستورية في مجلس النواب بمقره الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة؟.. قولًا واحدًا: «يريدون حياة كريمة»، ليس فقط للفقراء المطحونين؛ بل للطبقة المتوسطة التي قذف بها الإحتكار والغلاء والأزمة الإقتصادية إلى أسفل، وهذه الطبقة هي عمود الإستقرار كما يعلم الجميع في أي مجتمع، فهي التي تربي وتنفق وتعلم أولادها، ليكونوا مددًا متصلًا من الخبرات اللازمة في المجالات كافة.

أظن ومن واقع عملي ومعايشتي ومقابلتي اليومية لأفراد مختلفين من فئات وشرائح إجتماعية متنوعة أن أول شىء يحتاج إليه المصريون من الرئيس السيسي في الولاية الرئاسية الجديدة هو الاقتصاد، وتثبيت سعر الصرف والسيطرة عليه، والعمل الدؤوب على توفير السيولة الدولارية لإنعاش الاقتصاد مرة أخرى، والقضاء على السوق الموازية بشكل عاجل وسريع حتى يستقر السوق وتهدئ معه أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية.

في الولايتين السابقتين انتخب المصريون الرئيس السيسي وكان الهدف الأول لهم هو الإستقرار ثم الإستقرار ثم الإستقرار، خصوصًا بعد موجات الإرهاب والعنف والفوضى العارمة وعدم الإستقرار التي ضربت البلاد بعد ثورة 30 يونيو، ولم يكن ممكنًا وقتها الحديث عن أي شىء والتفجيرات الإرهابية تضرب في كل مكان.

وحينما اطمأن المصريون أن الإستقرار قد عاد وهيبة الدولة رجعت، بدأوا يفكرون في مستوى معيشتهم، ومن سوء الحظ أنه في اللحظة التي كان يفترض أن يحصدوا نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في نوفمبر 2016، فقد حلت أزمة كورونا؛ ثم الحرب الروسية الأوكرانية، والتضخم العالمي الذي تأثرت به مصر أكثر من غيرها بكثير، إضافة لأخطاء داخلية لا يمكن إنكارها.

هذه الأزمة الاقتصادية التي بدأت في النصف الأول من 2022 جعلت الدولار يقفز من 16 جنيهًا ليتجاوز حاجز ال 75 جنيهًا قبل حوالي شهرين ونصف، وغالبية المصريين تأثروا بهذه الأزمة بصورة أو بأخرى، وبالتالي فإن أول مطلب أو هدف أو رغبة لهم الآن هو الإستقرار الاقتصادي الذي يقود إلى تحسين مستوى معيشتهم.

من حسن الحظ أن الإجراءات الإقتصادية التي بدأت يوم 6 مارس الماضي بصفقة رأس الحكمة التاريخية، والإتفاق مع صندوق النقد الدولي ثم الإتحاد الأوروبي والبنك الدولي قد أتاحت لمصر أكبر تدفق دولاري في وقت واحد، وتم توحيد سعر الصرف وبدأنا نشعر بحالة من التحسن الطفيف، وما يحتاج إليه غالبية المصريين في الفترة المقبلة أن يستمر هذا الإستقرار والتحسن، وتكون هناك سياسات إقتصادية مختلفة لا تعيد إنتاج هذه الأزمة مرة أخرى بعد عام أو عامين.

ومادام الوضع السياسي، بمكوناته الضاغطة، شرقًا من غزة، وجنوبًا من السودان، وغربًا من ليبيا، فإن ما يحتاج إليه المصريين في الفترة المقبلة من مطلب ورغبة هامة وملحة من الرئيس هو الحفاظ على الحدود المصرية وحمايتها، والعمل بأقصى جهد ممكن لإفشال المخطط الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية على حساب مصر وأمنها واستقرارها.

صار الهدف الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية واضحًا ومفضوحًا وهو «الحل النهائي» للقضية أي تهجير سكان غزة إلى سيناء وسكان الضفة الغربية إلى الأردن أو أي مكان آخر، والحقيقة الموقف المصري واضح وقوي منذ بداية الأزمة، ورفض بوضوح كل الخطط الإسرائيلية، وما نريده في الفترة المقبلة أن يستمر هذا الموقف، وأن يتواصل تنسيقنا مع كل الدول والقوى العربية والدولية لمواجهة المخطط الإسرائيلي وأن تصل الرسالة واضحة لإسرائيل بأن مصر لن تقبل ذلك، تحت أي ظرف من الظروف.

والحقيقة المؤكدة أن الظرف السياسي من حولنا يستوجب أن نكون جميعًا جيش مصر الكبير، صفًا واحدًا وقلبًا واحدًا نابضًا، لأن القادم أصعب، وإذا كنا هزمنا إرهاب العملاء، فإن علينا اليوم وغدًا أن نهزم رعاة هولاء العملاء وولاة أمورهم، وهذا مطلبي الذي بتمناه من جموع المصريين وليس الرئيس السيسي فقط.
هذان المطلبان أراهما الأهم على الإطلاق ولا يختلف عليهما شخصان، ومعلوم أن هناك مطالب أخرى كثيرة على الرئيس السيسي تلبيتها لهذا الشعب العظيم الذي تحمل معه كل الصعاب وسانده في جميع القرارات مهما كانت صعوباتها وهو يستطيع كما عاهدنا من قبل، ولعل من أهمها أن يتم التركيز في الفترة المقبلة على الإنفاق بصورة أكبر على التعليم والصحة والصناعة وكل ما يمكنه المساهمة في بناء الإنسان.

في السنوات الماضية كان التركيز الأكبر على البنية التحتية، وهو أمر منطقي لأنه لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم والصحة والصناعة والزراعة، من دون وجود بنية أساسية قوية، لكن علينا أن نؤجل أي مشروعات عامة حتى لا نستنزف ما لدينا من أموال قليلة لحين تنفرج الأزمة، وعلينا أيضًا أن نركز على كل شىء يدعم التصدير ويقلل من الإستيراد، كما علينا أن ندعم القطاع الخاص المنتج والوطني، حتى يقف بجوار الدولة في الفترة المقبلة.

لا نستطيع أن ننكر أن مصر مرت بعد ثورة 30 يونيو بجمود سياسي بفعل المواجهة مع الإرهاب وانحسر العمل السياسي، وقد كان ذلك أمرًا واقعًا في سنوات الحسم مع الإرهاب، لكن الرئيس السيسي سرعان ما أعاد للحياة السياسية رونقها بإطلاق الدعوة للحوار السياسي واستيعاب أحزاب الحركة المدنية، وبدء تطبيق مخرجات الحوار الوطني، وفتح الباب للاستعانة بخبرات كل المصريين، ووسعت مظلة المشاركة لتضم كل مصري، لكن لابد من استمرار الانفتاح السياسي والمزيد من الحريات المسئولة في إطار القانون والدستور، حتى لا تتحول الأمراض البسيطة مثل الإنفلونزا إلى أمراض خطيرة مثل السرطان لا قدر الله.

ومن حسن الحظ أن الرئيس السيسي في خطاب التنصيب أمس تحدث عن تعهده بتنفيذ غالبية هذه المطالب حينما كان يتحدث أمام نواب الشعب.. كل التمنيات بالتوفيق للرئيس السيسي في ولايته الجديدة.