لماذا كتاب البخاري أعلى كتب السنة توثيقا وضبطا؟.. علي جمعة يوضح

تحدث الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية، عن اعتناء الصحابة بالتثبت والاحتياط في نقل السنة بدقة بالغة، فقد ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه  ما يدل علي تثبته في الحديث، فعن بُسْر بن سعيد أنه قال: أتى عثمان المقاعد، فدعا بوضوء، فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  هكذا يتوضأ، يا هؤلاء : أكذاك ؟ قالوا : نعم. لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  عنده» [رواه أحمد في مسنده].

ضابط التثبت من الأخبار

وأضاف “جمعة”، في منشور له على صفحته الشخصية على فيس بوك: “كذلك التزم الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه  ضابط التثبت من الأخبار عن طريق الاستحلاف فرويه عنه أنه قال: «قال كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم  حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته» [رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه والترمذي في سننه]. وكل ما رُوى عن الصحابة في ذلك الصدد اقتصر علي التثبت والاستظهار في سبيل المحافظة علي السنة المطهرة.

ضوابط النقل عند الصحابة

وأشار مفتي الجمهورية السابق، أنه من ضوابط النقل عند الصحابة سمة تسمى «اللقيا والسماع» وقد اشتهر صحيح البخاري بأنه هو الذي اشترط هذا الشرط في صحيحه مما جعل صحيحه أعلى كتب السنة توثيقا وضبطا.

شرط اللقيا والسماع

وأردف الدكتور علي جمعة: إلا أن الصحابة سبقوا البخاري في الاهتمام بهذا الشرط، ففي رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنه إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث واحد دليل على ذلك، حيث كان بإمكانه أن يرسل له رسالة أو يحصل الحديث بأي شكل بغير لقاء، إلا أنهم اعتنوا باللقاء والسماع حتى يثبت النقل.

وكان قد نشر الدكتور علي جمعة منشور قاله فيه: إن الله سبحانه وتعالى قد خلق ابن آدم وجعل له قلبًا، فيقول رسول الله ﷺ وهو يعلِّمنا: «إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض، وآنيةُ ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبُّها إليه ألينها وأرَقُّها» (رواه الطبراني)، ومنع الله بحكمته أنواره عن قلوب بني آدم طالما احتوت على شيء من الصفات الذميمة والتي وضحها سبحانه في قوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ). وقد أمرنا عز وجل أن نزيل الصفات الذميمة من قلوبنا، ونخليها لتبقى معلقة به سبحانه لا تتعلق بسواه، وبداية الطريق اليقظة، فيجب أن تسارع وتستيقظ من غفلتك وتعلم حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال، وأن تصحح مسيرة قلبك مع الله، وأن تبدأ بتخلية قلبك من القبيح استعدادًا لملئه بالصحيح، وأول ما تبدأ به أن تُخرِج من قلبك كل ما سوى الله عز وجل ، وليس أن تخرج الدنيا من قلبك -كما علمنا الله ورسوله- أن تدمرها، وألا تقوم فيها بشأن قد أمر فيه الله ونهى؛ بل شأنك فيها ألا يتعلق قلبك بها، وألا تكون أحب عندك من الله ورسوله، كما أنه ليس معنى أن تخرجها من قلبك أن توليها ظهرك؛ فكان من دعاء الصالحين: “اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا”؛ فيجب أن نجعلها في أيدينا نستعملها لله وفي سبيل الله، بحيث لا تؤخرنا عن السعي إلى الله وعن الفعل لله وعن الترك لله؛ فإذا هي أخرتنا إذن فنحن من الخاسرين، ولابد من أن نعيد حسابنا مع أنفسنا حتى يكون هذا القلب بيتًا لله تدخله ملائكته وأنواره، وتتنزل عليه رحماته ونفحاته، ويسير أحدنا في حياته الدنيا مباركا من عند الله.