الدكروري يكتب عن الإنسان ما بين الصدق والزور

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم وعلي الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين كانوا يسيرون على منهجه صلى الله عليه وسلم، فيخدمون الناس وينفعونهم، فأبو بكر الصديق رضي اللهُ عنه أسلم وله أربعون ألفا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في سبيل الله، أعتق بلالا، وعامر بن فهيرة، وزنبرة، والنهدية وابنتها، وجارية بن مؤمل، وأم عبيس، وعمر بن الخطاب وكان يتعاهد الأرامل يسقي لهن الماء ليلا، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل عليها طلحة نهارا، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت هذا منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.

وعثمان بن عفان اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم، وجعلها للغني والفقير وابن السبيل، وجاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله تعالى قبل أن أرفعها إليك، فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فقال الإمام علي ” اكتب حاجتك علي الأرض فإني أكره أن أري ذل السؤال في وجهك، فكتب إني محتاج، فقال علي رضي الله عنه، علي بحله، أي بمعني أتوني بحلة، فأتي بها فأخذها الرجل فلبسها وأنشد له شعرا طويلا يمدح فيه الإمام علي، فقال الإمام علي أتوني بالدنانير، فاتي بمائة دينار فدفعها إليه، فقال الأصبغ يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار، قال نعم ” فعليكم بالطاعات والطيبات والصالحات أيها الناس.

وإياكم وشهادة الزور فإن شاهد الزور قد أباح ما حرم الله تعالى من عصمة المال والدم والعرض، ولذلك كانت عقوبة شاهد الزور في الإسلام شديدة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور” فما زال يكررها، حتى قلنا ليته سكت” رواه البخاري، ولقد شدد الإسلام في تحريم شهادة الزور أيما تشديد، حتى قرنت في القرآن الكريم بالشرك بالله، فقال تعالى فى كتابه الكريم ” فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به” وقال القرطبى”هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغى للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره، وينادى عليه ليعرف، لئلا يغتر بشهادته احد.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه “عدلت شهادة الزور الشرك بالله، وقرأ “واجتنبوا قول الزور” فالشهادة إذا تحولت عن وظيفتها، صارت سندا للباطل، ومضللة للقضاة، فيستعان بها على الظلم، ويقع الحكم بغير حق، ومن ثم رفضت شهادة من عرف بسوء خلق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غِمر أى حقد، على أخيه” رواه أبى داود، بل بلغ التشديد حد المنع من مجرد حضور الجمع الذي يشهد فيه بالزور، ومخالطة من يعرفون به، فقال أبو حيان في قول الله تعالى “لا يشهدون الزور ” وقيل أن المعنى هو لا يحضرون الزور، ويعضده ما ذهب إليه ابن كثير في قول الله تعالى ” وإذا مروا باللغو مروا كراما”

فقال “أى لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به، مروا ولم يتدنسوا منه بشيء” فكيف بهذا الزمان الذى يشهد فيه الناس دون أن تطلب شهادتهم، استسهالا لها، وتهوينا من شأنها.